الاخبارمقالات

عندما يصبح مؤتمر مناهضة العنف جزءًا من المشكلة !

ليس صعبًا أن تعقد مؤتمرًا بعنوان “مناهضة العنف ضد المرأة”. الأصعب هو أن تقنع الضحايا بأنك جاد. فالثقة لا تُبنى باللافتات، ولا بالصور التذكارية، ولا بالبيانات الختامية، وإنما تُبنى عندما يشعر الناس بأن القانون أصبح أكثر عدلًا، وأن المؤسسات أصبحت أكثر قدرة على الحماية، وأن الإفلات من العقاب لم يعد هو القاعدة.

كل مؤتمر يبدأ بخطابات حماسية عن الرحمة والكرامة والإنسانية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انطفاء الكاميرات هو: ماذا تغيّر؟

إذا بقيت القوانين على حالها، وإذا استمرت الثغرات التشريعية، وإذا ظلت النساء يواجهن العنف دون حماية كافية أو إنصاف سريع، فإن المؤتمر لا يكون قد واجه المشكلة، بل يكون قد ساهم – بقصد أو بغير قصد – في تجميلها.

هذه هي المعضلة الحقيقية. فليس كل خطاب ضد العنف هو بالضرورة موقف ضد العنف. أحيانًا يصبح الخطاب نفسه وسيلة لامتصاص الغضب العام، وإعطاء انطباع بأن هناك حراكًا وإصلاحًا، بينما يبقى الواقع ثابتًا لا يتغير.

تؤكد الأمم المتحدة أن العنف ضد المرأة ليس مجرد تصرفات فردية، بل هو نتاج منظومة من علاقات القوة والسياسات والثقافة والمؤسسات. وإذا كان هذا هو التشخيص، فمن العبث أن نبحث عن العلاج في الخطب وحدها، بينما تبقى المنظومة نفسها بمنأى عن المراجعة والإصلاح.

المؤتمرات التي تكتفي بالحديث عن “الوعي” و”القيم” تتجنب السؤال الأصعب: من يحمي الضحية عندما يفشل الوعي؟ ومن ينصفها عندما لا تكفي القيم؟ الإجابة ليست في المواعظ، بل في القانون، وفي القضاء، وفي أجهزة إنفاذ القانون، وفي مؤسسات الحماية الاجتماعية.

واللافت أن كثيرًا من هذه المؤتمرات تُدار بعقلية مغلقة؛ الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والتوصيات نفسها، ثم ينتهي كل شيء كما بدأ. تغيب النساء اللواتي عشن تجربة العنف، ويغيب الشباب، ويُهمّش المجتمع المدني، بينما يحتكر المنصة أصحاب القرار الذين يُفترض أن يكونوا موضع مساءلة قبل أن يكونوا أصحاب خطاب.

إن أي مؤتمر لا يملك الشجاعة لمراجعة السياسات والتشريعات، ولا يضع جدولًا زمنيًا للإصلاح، ولا يحدد جهة مسؤولة عن التنفيذ، ولا ينشر مؤشرات واضحة لقياس النجاح أو الفشل، ليس أكثر من مناسبة للعلاقات العامة، مهما حسنت النوايا.

المجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر ما تحتاج إلى قرارات. ولا تحتاج إلى بيانات إدانة جديدة، بل إلى ضمانات قانونية تحمي النساء والأطفال، وإلى مؤسسات تتحرك قبل وقوع المأساة لا بعدها، وإلى قضاء يبعث برسالة واضحة بأن العنف ليست له حصانة.

إن احترام الدين لا يعني إعفاء الاجتهادات أو السياسات أو القوانين من النقد والمراجعة. فكل تشريع أو ممارسة تنتقص من كرامة الإنسان أو تعيق وصول الضحايا إلى العدالة يجب أن يكون محل نقاش وإصلاح، لأن العدالة ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل مسؤولية تُترجم إلى قوانين ومؤسسات ومحاسبة.

إن قيمة أي مؤتمر لا تُقاس بعدد الحاضرين، ولا بعدد الكلمات التي تُلقى، وإنما بعدد النساء اللواتي أصبحن أكثر أمانًا بعد انتهائه. وما لم تتحول التوصيات إلى تشريعات نافذة، وإلى آليات حماية ومساءلة، سيبقى المؤتمر حدثًا إعلاميًا عابرًا، وسيظل العنف مستمرًا في الواقع، مهما ارتفعت الأصوات التي تدينه على المنصات.

إن أول خطوة في مواجهة العنف ليست إصدار بيان جديد، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن الخطاب وحده لا يحمي أحدًا، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تخضع السلطة نفسها للنقد، وتقبل مراجعة القوانين والسياسات، وتضع نفسها تحت رقابة المجتمع. عندها فقط يصبح الحديث عن مناهضة العنف أكثر من شعار، ويصبح المؤتمر بدايةً للتغيير، لا مجرد عنوانٍ جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى