
في السابع والعشرين من آب/أغسطس 2025، أقرّ مجلس النواب العراقي التعديل الذي مهّد لإدخال الأحكام الجعفرية في منظومة الأحوال الشخصية، وأتاح إصدار “مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري”. لم يكن هذا الحدث معزولًا عن مسار سياسي امتد لعقود، سعت خلاله قوى سياسية ودينية إلى تغيير الإطار القانوني الموحد الذي وضعه قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وإدخال الاختلاف المذهبي في صميم التشريع الذي ينظم حياة الأسر العراقية، بحجة الحرية الدينية.
جاء ذلك رغم الاعتراضات الواسعة من نواب وناشطات وناشطين ومنظمات مجتمع مدني وقوى اجتماعية عديدة، ورغم المخاوف من أن يؤدي تحويل الانتماء المذهبي إلى أساس قانوني لتنظيم الأسرة إلى تفكيك وحدة القانون وتعميق التمييز بين المواطنين والمواطنات. قيل لنا إن هذه التغييرات ستعيد الحقوق إلى أصحابها، وإنها ستمنح العائلات حرية الاختيار. لكن السؤال هو: من يختار؟ ومتى يختار؟ ومن يتحمل نتائج هذا الاختيار؟
فالأسرة ليست ملكية لأحد، والأطفال ليسوا امتدادًا قانونيًا لاختيارات آبائهم وأمهاتهم، والمرأة ليست تابعًا قانونيًا للرجل. إن تحويل الاختلاف المذهبي إلى أساس لتنظيم الزواج والطلاق والحضانة والولاية والميراث وسائر العلاقات الأسرية يهدد مبدأ المساواة، ويجعل حقوق الأفراد رهينة لقواعد مذهبية مختلفة. والأخطر أن آثار هذا الخيار يمكن أن تمتد إلى الأطفال القاصرين، بما يجعل قرارًا يتخذه الكبار ذا آثار قانونية على أشخاص لم يختاروا بأنفسهم النظام الذي سيحكم جوانب أساسية من حياتهم.
نحن نرفض أن يتحول الطفل إلى موضوع لاختيار مذهبي لم يشارك فيه، ونرفض أن تتحول الأم إلى طرف أضعف في علاقة قانونية قد تحد من حقوقها في الحضانة والرعاية والقرار.لقد دفعت النساء العراقيات ثمنًا باهظًا في معارك الحضانة والطلاق والزواج والنفقة والعنف الأسري. وعندما تتغير القواعد القانونية التي تحكم هذه المسائل، فإن الأمر لا يبقى نقاشًا فقهيًا؛ بل يصبح مسألة تمس حياة النساء والأطفال بصورة مباشرة.
كما نرفض تحويل معاناة النساء ومخاوفهن إلى مادة للتشفي والسخرية والتقليل من شأن احتجاجاتهن. فالنساء اللواتي خرجن للاحتجاج لم يطلبن امتيازًا؛ بل رفضن أن تتحول المعتقدات الدينية أو المذهبية إلى قواعد قانونية تحدد حقوقهن وحقوق أطفالهن ، بطريقة لاتلبي متطلبات حياتهن ولاشروط المواطنة. لقد أثبتت النساء العراقيات قدرتهن على التنظيم والتضامن والدفاع عن حقوقهن. ولن تؤدي محاولات إسكاتهن إلى اختفاء القضية. لقد أمضت القوى الإسلامية عقودًا في محاولة تغيير قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959. أما نحن فنقول اليوم بوضوح:
لا نقبل بالمدونة الشرعية ولا نعتبر قانون 188 نهاية الطريق. نحن نريد قانونًا جديدًا للأحوال الشخصية، حديثًا وعادلًا، يقوم على المساواة الكاملة أمام القانون، لا على الانتماء المذهبي أو الديني. أننا نريد قانونًا:
• يعترف بالمرأة إنسانًا كامل الأهلية والحقوق.
• يضمن المساواة والعدالة بين النساء والرجال في الزواج والطلاق والحقوق والواجبات الأسرية.
• يحمي الأطفال باعتبارهم أصحاب حقوق مستقلة، لا ملكية لأي من الوالدين.
• يجعل مصلحة الطفل الفضلى معيارًا أساسيًا في الحضانة والرعاية والولاية.
• يمنع زواج الأطفال ويجرّمه بوضوح.
• يرفض التمييز في الحقوق الأسرية على أساس الجنس أو المذهب.
• يضمن المساواة في الحقوق المالية والإرثية.
• يحترم حرية المعتقد بوصفها حقًا فرديًا، لا وسيلة لفرض قواعد دينية على الآخرين.
إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تجعل حقوق المرأة والطفل متفاوتة تبعًا للمذهب. والدولة التي تحترم الأطفال لا تجعل مستقبلهم القانوني نتيجة لاختيار لم يقوموا به. والدولة التي تحترم النساء لا تجعل مساواتهن مسألة قابلة للتفاوض. نحن نطالب بقانون أحوال شخصية جديد، مدني وعادل، قائم على المساواة وحقوق الإنسان ومصلحة الطفل. قانون يمكن رسم بنوده بوضع شروط فيه تعطي لكل فرد الحق برسم عقد زواجه بطريقة رضائية تامة .
هذه ليست عودة إلى الماضي. هذه مطالبة بالمستقبل.
تحالف امان النسوي



