الاخبارمقالات

الحجاب في إيران والمدونة الجعفرية في العراق: إخضاع المجال الشخصي للسلطة الدينية للدولة

شكلت الحقوق المدنية للمرأة أحد الميادين الأساسية التي عرّفت الدولة الإسلامية نفسها من خلالها في إيران، كما أصبحت ساحة مركزية لمشروع الأحزاب الإسلامية الحاكمة في العراق. ففي البلدين لم تكتفِ السلطة بإدارة المجتمع، بل سعت إلى إعادة تشكيله، وكانت المرأة وحقوقها في مقدمة ميادين هذا المشروع. ويتجلى ذلك في الحجاب الإجباري في الجمهورية الإسلامية في إيران منذ عام 1979، وفي تعديل قانون الأحوال الشخصية باتجاه مدونة شيعية في العراق بعد عام 2003.

فبعد سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية، وبعد أسابيع من اندلاع الثورة، بدأت السلطة الجديدة، انذاك، حملة تدريجية ومنظمة لفرض الحجاب الإجباري، بدأ ذلك بفرضه على موظفات الدولة، ثم امتد إلى الفضاءات العامة، قبل أن يتحول تدريجياً إلى قانون رسمي للدولة. ورغم أن الحجاب لم يكن غريبًا عن المجتمع الإيراني، حيث المجتمع الايراني مجتمعًا مسلمًا ذو أغلبية شيعية تاريخية، فإنّه لم يكن إلزاميًا، ولم يكن سلوك النساء خاضعًا لرقابة الدولة بالشكل الذي أصبح لاحقًا. لذلك مثّل فرضه بالقوة والقانون تحولًا جذريًا في علاقة الدولة بالمجال الخاص، إذ انتقل من كونه خيارًا شخصيًا إلى رمز سياسي للدولة الجديدة وعلامة على هويتها الإسلامية.

أما في العراق، فإن المشروع الإسلامي الشيعي لم يتخذ الشكل نفسه الذي اتخذه في إيران. فإذا كان الحجاب الإجباري هو العلامة البارزة في الحالة الإيرانية، فإن قانون الأحوال الشخصية أصبح الساحة الأساسية التي سعت من خلالها الأحزاب الإسلامية إلى إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع. فبعد أشهر قليلة من اسقاط النظام عام 2003، بدأت هذه الأحزاب محاولات متكررة لإلغاء أو تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، واستمرت هذه المحاولات على مدى سنوات، إلى أن نجحت في تمرير تعديلات وتشريعات مهّدت لظهور ما بات يُعرف بالمدونة الشرعية في 2025.

بشكل عام، لم تأتِ هذه المدونة بممارسات لم يعرفها المجتمع العراقي من قبل، إذ إن زواج القاصرات وتعدد الزوجات والزواج خارج المحاكم كانت ممارسات موجودة فعليًا، رغم أن قانون 188 كان يضع عليها قيودًا قانونية. غير أن التعديلات الجديدة منحت غطاءً قانونيًا أوسع لهذه الممارسات، ورسّخت أحكامًا أخرى تمس حقوق النساء والأطفال بشكل مباشر.

وكما أثار فرض الحجاب الإجباري موجات احتجاج واسعة بين النساء في إيران، بلغت ذروتها في انتفاضة مهسا أميني، وعلى نحو مشابه، شهد العراق احتجاجات واعتراضات متواصلة ضد تعديل قانون الأحوال الشخصية والمدونة الشرعية، كان من أبرزها تجمع نسوي في ساحة الفردوس يوم السادس من حزيران، نظمته نساء أطلقن على أنفسهن اسم “الشيعيات الجعفريات”، واعتبرن أن القانون لا يمثل مصالح النساء والأمهات، ورفضن تقديمه بوصفه تعبيرًا عن إرادة جميع النساء الشيعيات. كذلك ظهرت مقاومة الامهات لهذه المدونة عبر الانتقال الى اقليم كردستان، ونقل محاكم الاحوال الشخصية الى هناك، حيث لا تطبق المدونة في كردستان.

لقد تم ” تعديل” قانون الأحوال الشخصية رقم 188 رغم انه كان مستندًا أصلًا إلى الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، إلا أن الأحزاب الإسلامية الشيعية أصرت على إعادة صياغته بما يمنحه موقعًا مرجعيًا في تنظيم قضايا الأحوال الشخصية. كما أن الفقه الشيعي التقليدي يقوم على أن المكلف يقلد مرجعه الديني في شؤونه الدينية والشرعية، أي أن العلاقة الأساسية هي بين الفرد ومرجعه، لا بين الفرد ودولة تفرض عليه فقهاً معيناً. غير أن هذه الأحزاب تجاوزت هذا المبدأ عندما عملت على تحويل اجتهادات فقهية محددة إلى قوانين ملزمة لجميع المواطنين، لتنتقل من منطق الالتزام الديني الطوعي إلى فرض هوية مذهبية عبر مؤسسات الدولة.

كما لم يكن الحجاب الإجباري مجرد مسألة دينية في ايران،فأن اختيار الأحوال الشخصية لم يكن أمرًا عرضيًا، إذ إن المجال المرتبط بالمرأة والأسرة يُعد من أكثر المجالات قدرة على إظهار سلطة الدولة في الحياة اليومية وأداة ضمن عملية أوسع لتأسيس سلطة سياسية تسعى إلى تحويل رؤيتها الأيديولوجية إلى نظام اجتماعي ملموس. فمن خلال تنظيم جسد المرأة، أعادت الدولة تعريف حدود المجال العام والخاص، وأكدت أن الهوية الدينية ليست مجرد اعتقاد فردي بل أساس لتنظيم المجتمع.

فعندما تفرض الدولة شكل اللباس أو تنظم الزواج والطلاق والحضانة وفق رؤيتها الأيديولوجية، فإنها لا تكتفي بتعديل القانون، بل تعيد رسم حدود السلطة داخل المجتمع نفسه. فالدولة تستطيع أن تعلن هويتها عبر الدستور أو العلم، لكنها لا تفرض حضورها اليومي إلا من خلال التحكم في تفاصيل الحياة الخاصة للأفراد. ولهذا أصبحت المرأة والأسرة من أهم ميادين إنتاج السلطة الدينية الحديثة.

وهكذا، لم يكن الصراع في إيران والعراق صراعًا قانونيًا فقط، بل صراعًا حول حدود سلطة الدولة وحقها في التدخل في المجال الخاص. وقد أرادت هذه السلطة أن تجعل من الحجاب أو الأحوال الشخصية وسيلة لترسيخ هويتها الدينية وإظهار قدرتها على إعادة تشكيل المجتمع. غير أن المجال الذي اختارته لفرض سلطتها تحَوّل في الحالتين إلى مساحة مقاومة. فحين تتدخل الدولة في تفاصيل الحياة الخاصة، يتحول المجال الشخصي نفسه إلى مجال سياسي، وتصبح معركة الدفاع عن الحقوق الفردية جزءًا من صراع أوسع حول طبيعة الدولة وحدود سلطتها على المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى