الاخبارمقالات

قانون الأحوال الشخصية الجديد بين “تأنيث الفقر وأنانية المشرعين في العراق

شبكة الاقتصاديين العراقيين IRAQI ECONOMISTS NETWORK – www.iraqieconomists.net أوراق في السياسات الاجتماعية JEN
د. سلام سميسم: قانون الاحوال الشخصية الجديد بين “تأنيث الفقر وانانية المشرعين في العراق

تثار في العراق اليوم نقاشات حادة حول التعديلات لقانون الاحوال الشخصية، التي اتت في وقت تحتل فيه الكثير من الملفات اهمية كبيرة سواء في الشارع العراقي او على رفوف البرلمان. وفي الوقت الذي يشكل فيه حجم الايتام والارامل ما يقارب خمس السكان في العراق، حسب الاحصاءات الحكومية، وكذلك تصاعد نسبة السكان دون خط الفقر ليصل الى 35% من حجم السكان الكلي، ينبري البرلمان لإطلاق هذه التعديلات المقترحة ليزيد تشابك الملفات وصعوبتها. ما يزال 1.2 مليار شخص حول العالم يعيشون تحت خط الفقر، ولا يتجاوز الدخل المالي لأي منهم مستوى الدولار الواحد في اليوم، وأغلب هؤلاء هم من النساء (70%)، الأمر الذي يثبت أن ظاهرة تأنيث الفقر » Feminization of Poverty لم تأت من فراغ. ويساهم الحرمان والظلم الاجتماعي اللذان تواجههما المرأة في تشكيل تجربتها مع الفقر بشكل مختلف عن الرجل، مما يزيد من تعرضها للأخطار ويسلبها أبسط حقوقها، كما أن الأمر يعود بالسلب على المجتمع ونظامه الاقتصادي ككل. وهناك ملايين من النساء اللاتي يعشن في فقر مدقع، بسبب تعرضهن للتمييز والافتقار للمساواة وعدم حصولهن على احتياجاتهن الأساسية من صحة جيدة وولادة آمنة وتعليم وتوظيف. وعادةً ما تتحمل النساء، في الأسر الفقيرة، نصيبًا غير متكافئ من العمل، وتأخذ على عاتقها مسؤولية تغذية ورعاية أفراد الأسرة، من خلال العمل المنزلي، غير المدفوع الأجر. وبمواجهة الخيارات الصعبة لتخصيص الوقت، غالبًا ما تضحى هؤلاء النساء بصحتهن وتغذيتهن أو تعليم بناتهن، فعلى الرغم من أن الفقر له تأثيراته السلبية الواضحة على كل من الرجل والمرأة، فإن التمييز بين الجنسين لا يترك للمرأة الكثير من الخيارات لتلبية احتياجاتها. وفقًا لإحصائيات حديثة لـ«هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، فإن 1.3 مليار امرأة حول العالم لا تمتلك حسابًا مصرفيًا في أي مؤسسة مالية رسمية، بما فيها البنوك والتعاونيات والاتحادات الائتمانية ومكاتب البريد ومؤسسات التمويل متناهية الصغر.

وللفقر انعكاسات سلبية على مختلف نواحي حياة المرأة، إذ تشير بيانات للأمم المتحدة، لعام 2014، إلى أن متوسط عمر المرأة يختلف باختلاف المستوى الاقتصادي للبيئة التي تعيش فيها، ففي حين يبلغ متوسط عمرها في الدول ذات الدخل المرتفع 82 عامًا، ينخفض هذا المتوسط إلى 63 عامًا في الدول منخفضة الدخل. وتواجه النساء والفتيات اللاتي يعشن في بيئات فقيرة أشكالا متعددة من التمييز، كما يتعرضن لمخاطر العنف. فالدراسات تظهر أن الفتيات الفقيرات أكثر عرضة للزواج القسري المبكر بمعدل مرتين ونصف من أولئك اللاتي يعشن في مناطق غنية، كما أن النساء والفتيات الفقيرات أكثر عرضة للاستغلال الجنسي، بما في ذلك الاتجار بالبشر. مصطلح تأنيث الفقر يقصد بمصطلح “تأنيث الفقر” Feminization of Poverty، أن معدلات الفقر وحدته لدى النساء أعلى منها لدى الرجال، بسبب انشغال النساء في القيام بالأدوار غير مدفوعة الأجر الأمومة ورعاية الأسرة)، وفي المقابل اشتغال الرجال بالأعمال مدفوعة الأجر، وهو ما أدى إلى تركز المال في أيدي الرجال، في مقابل فقر النساء. وقد عرفته دراسة لمنظمة العمل الدولية بأنه: زيادة نسبة الفقر بين النساء عن مثيلتها بين الرجال، وأن حِدَّة فقر النساء أكبر مما هي بين الرجال». وجاء أيضاً تعريفه في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1997م بأنه: «فرص أقل.. وعدم تكافؤ في فرص التعليم والعمالة وملكية الأصول (للمرأة)، ويعني: إتاحة فرص أقل للمرأة، كما أن من شأن الفقر أن يعمق الفجوات بين الجنسين». وحقيقة “تأنيث الفقر” كما ورد في الاتفاقيات الدولية: إن المراد من قضية تأنيث الفقر هو : معالجة فقر المرأة باعتبارها فردا منفصلا عن تكوينها الأسري، من خلال إشراكها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بلا أدنى تمييز بينها وبين الرجل، دون مراعاة للظروف العائلية أو الاجتماعية أو الدينية المحيطة بها. فيرى أصحاب القضية أن “استئصال شأفة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة لن تحصل إلا بعد إتاحة الفرصة للمرأة والرجل للاشتراك بصورة تامة وعلى قدم المساواة في وضع سياسات واستراتيجيات الاقتصاد الكلي والتنمية الاجتماعية.

تشير تقارير دولية إلى وقوع الفقر على كواهل النساء، خاصة اللواتي يتحملن المسؤولية الكاملة للأسرة، وهي مسألة تعانيها معظم الدول خاصة الأقل نموا، حيث تشير بعض الدراسات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية أن النساء يشكلن %70% من فقراء العالم والبالغ عددهم 3.1 مليار نسمة، وينتجن نصف الكمية الغذائية العالمية، ويعملن ثلثي ساعات العمل، لكن ملكيتهن لا تتجاوز %1% فقط من الأملاك في العالم. ماذا سينتج من هذا القانون الجديد؟ 1- الاضطهاد والتهميش للمرأة العراقية، بسبب سياسات التمييز الواضحة ضد المرأة. 2- تحكم الرجل بمقاليد الاقتصاد وتسيده على المرأة. -3- اقتصار دور المرأة على الجانب المنزلي والإنجابي واهتمامها بشؤون الأسرة. -4- حرمان المرأة من التعليم. -5- حرمانها من تملك الأراضي والموارد المالية والعقارات. -6- حرمانها من حقها في الميراث. 7- هناك علاقة بين زيادة عدد أفراد الأسرة المعالة من قبل المرأة وبين الفقر. 8- هناك علاقة وثيقة بين الزواج المبكر وبين الفقر وهذا ما يؤكده و يسن عليه القانون الجديد”. 9- الارتباط الواضح بين ظاهرة تأنيث الفقر بارتفاع معدلات الخصوبة، وهذا يخلق مشكلة جديدة في زيادة فجوة الموارد امام الاعداد المتزايدة للسكان ولاسيما للطبقات الفقيرة. ان كل ذلك سيؤدي الى ترسيخ نظام لتقسيم العمل يقوم على اضطهاد المرأة وتثبيتها ككائن من الدرجة الثانية ومن ثم سيخلق مجتمعا جديدا مشوها هيكليا. وهذا الأمر يؤثر على سياقات عملية النمو الاقتصادي وتراجع معدلات التنمية المستدامة، من جهة، ومن جهة اخرى الى اعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاسرية تحديدا بطريقة تؤثر على نمط توزيع الثروات القومية. المالجة عدم اقرار هذا القانون ومن ثم على الحكومة إشراك المرأة في سياسات الاقتصاد الكلي، والسياسات الاجتماعية بشكل كامل، وتوزيع الثروة، والفرص، والدخل، والخدمات بصورة أكثر إنصافا، فضلا عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمرأة في المجالات الاجتماعية والتعليمية والصحية، وهذا بالضرورة لن يتم في ظل القانون المقترح الآن من قبل البرلمان العراقي.

أما المهام التي تتحملها المنظمات غير الحكومية، فتتمثل في تعبئة جميع الأطراف المشاركة في العملية الإنمائية، بما فيها المؤسسات الأكاديمية، والجماعات الأهلية والنسائية، من أجل تحسين برامج مكافحة الفقر الموجهة للنساء الأشد فقرا، وإنشاء آليات للرصد على النحو الملائم، والانطلاق الى ارضية واقعية شفافة لإنقاذ المجتمع العراقي من دوامة الصراعات الحالية التي تحول دون تحقيق التنمية المستدامة سواء قبلنا بذلك ام لم نقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى