في الذكرى السنوية لانتفاضة تشرين نستعيد واحدة من أهم اللحظات التي خرج فيها العراقيون والعراقيات من حدود الخوف ومن الأدوار التي فرضها عليهم النظام السياسي والاجتماعي القائم.
لقد كانت المرأة العراقية جزءا اصيلا من انتفاضة تشرين منذ ايامها الاولى ولم تكن مجرد مشاركة هامشية او مساندة للمتظاهرين الرجال فقد خرجت النساء الى الساحات وشاركن في التظاهرات والاعتصامات والاسعاف والاعلام والتنظيم والعمل التطوعي وبعضهن تقدمن الصفوف وقمن بادوار قيادية في الحركة الاحتجاجية
كان هذا الحضور تحولا مهما في موقع المرأة داخل المجال العام فالمرأة التي حاول المجتمع الذكوري حصرها في البيت والاسرة.
اثبتت في تشرين انها مواطنة كاملة الحقوق وقادرة على الفعل السياسي والتنظيمي وصناعة القرار ومواجهة السلطة كما ان وجود النساء في ساحات الاحتجاج ساهم في كسر كثير من الحواجز الاجتماعية والنفسية التي صنعتها سنوات طويلة من الوصاية والخوف.
لكن من الضروري ألا نقدم انتفاضة تشرين بوصفها فضاء تحرريا كاملا فقد بقيت داخل اوساط واسعة من المنتفضين عقلية ذكورية تنظر الى المرأة من خلال جسدها وسمعتها وسلوكها وتضع عليها قيودا لا تضعها على الرجل وهذا التناقض كان جزءا من الصراع داخل الانتفاضة نفسها.
وقد تعرضت نساء شاركن في تشرين للتهديد والخطف والتغييب والتشهير كما حدث مع الناشطة صبا المهداوي التي اختطفت بعد عودتها من ساحة التحرير ولم يكن العنف ضد النساء منفصلا عن العنف السياسي بل تداخل معه خطاب ذكوري يقوم على تخويف المرأة من الفضيحة وتحويل سمعتها الى وسيلة لمعاقبتها على مشاركتها السياسية.
كما استعملت قضية النساء في بعض الخطابات والحملات المعادية للاحتجاج بوصفها وسيلة لتشويه صورة تشرين وتسقيط المشاركات فيها وكأن خروج المرأة الى الشارع جريمة اخلاقية لا ممارسة لحق سياسي وهذا يكشف كيف يمكن للخطاب الذكوري ان يتحول الى اداة سياسية بيد القوى التي تخشى التغيير.
ان تحرير المرأة لا يمكن فصله عن تحرير المجتمع من الاستغلال والفساد والطائفية والاستبداد ولا يمكن ايضا تأجيل قضية المرأة الى ما بعد تحقيق بقية المطالب
ان تشرين علمتنا ان المرأة ليست ضيفا على الثورة بل هي جزء من قوتها وصوتها ومستقبلها وان اي مشروع تحرري حقيقي لا يكتفي باسقاط سلطة سياسية بل يعمل ايضا على تفكيك السلطة الابوية داخل البيت والمجتمع والحركة السياسية نفسها.
نحيي نساء تشرين اللواتي واجهن القتل والخطف والتغييب والتشهير ونؤكد ان كرامتهن وحريتهن ليستا موضوعا للمساومة وان مستقبل العراق لا يمكن ان يبنى من دون مساواة كاملة بين النساء والرجال في العمل والسياسة والتعليم والحياة العامة.
نحن لا نريد عودة المرأة الى الهامش بعد ان كسرت في تشرين ابواب العزلة والخوف ولا نقبل ان تتحول مشاركتها الى ذكرى جميلة يجري الاحتفاء بها بينما تستمر القوانين والممارسات والعلاقات الاجتماعية التي تنتقص من حريتها وكرامتها.
سنواصل النضال من اجل عراق لا تكون فيه حرية المرأة مشروطة برضا العائلة او المجتمع ولا تكون فيه سمعتها سلاحا بيد السلطة او القوى الرجعية ولا يكون فيه جسدها ميدانا للصراع السياسي والاجتماعي.
ان معركتنا من اجل حرية المرأة هي جزء من معركة اوسع ضد الاستغلال الطبقي والطائفية السياسية والاستبداد والفساد وكل اشكال القهر التي تمنع الانسان من امتلاك حياته وقراره.


