
المدونة الجعفرية ليست مجرد نص ينظم العلاقات الأسرية، بل هي إطار قانوني–ديني يعيد إنتاج علاقات القوة الذكورية داخل المجتمع، ويشرعن استغلال النساء في المنزل. فهي تجعل النفقة مشروطة بطاعة المرأة للرجل، واستجابتها لرغباته، وأدائها للأعمال المنزلية والرعائية، بدل أن تكون حقًا اجتماعيًا وإنسانيًا مستقلًا.
العمل المنزلي الذي تقوم به النساء ليس “واجبًا طبيعيًا” ولا “غريزة أنثوية”، بل هو عمل اجتماعي كامل، يشمل الطبخ والتنظيف، رعاية الأطفال وتعليمهم، الاعتناء بالمرضى والمسنين وذوي الإعاقة، وإدارة الحياة اليومية للأسرة. إذا حُسبت ساعات هذا العمل، فإنها غالبًا ما تتجاوز 12 ساعة يوميًا، بلا أيام عطلة، بلا إجازات مرضية أو سنوية، ودون أي حماية أو اعتراف قانوني. هذه أقسى صورة للعمل المأجور، مع فارق واحد: أنه بلا أجر، بلا ضمان اجتماعي، وبلا تقدير.
هذا الاستغلال ليس صدفة؛ إنه نتيجة التقاء النظام الأبوي مع المنطق الرأسمالي الذي يسعى إلى تحقيق أقصى استفادة من العمل، مع إنكار أي التزام تجاه من يؤديه. المرأة تُحاصر في العمل المنزلي غير المنتج ظاهريًا، رغم أنه شرط أساسي لإنتاج الثروة. الرجل لا يستطيع التفرغ للعمل المأجور وتكديس رأس المال إلا لأن امرأة تؤدي عنه مجانًا كل ما يتعلق بإعادة إنتاج حياته اليومية.
وتبلغ ذروة هذا الاستغلال عندما تصل المرأة إلى الشيخوخة، فتُترك بلا ضمان مادي، بلا سكن، وبلا استقلال اقتصادي، بعد عقود من العمل غير المعترف به، فيما الثروة التي ساهمت في إنتاجها تنتقل وفق قوانين إرث لا تعترف بالعمل المنزلي. هذا الوضع لا يختلف جوهريًا عن وضع العامل بلا عقد أو حماية، الذي يُلقى في الفقر بعد سنوات من الإنتاج.
كما كتب كارل ماركس، الرأسمالية لا تكتفي باستغلال قوة العمل، بل تخفي شروط الاستغلال وتقدمه على أنه طبيعي وحتمي. في حالة النساء، يُغلف هذا الاستغلال بخطاب ديني وأخلاقي يطالبهن بالصبر والتضحية مقابل “الستر” أو “النفقة”، أو باسم “الحب”!
العمل المنزلي هو عمل منتج بامتياز، لأنه يعيد إنتاج قوة العمل، وهو الشرط المسبق لكل إنتاج رأسمالي. تجاهله ليس سهوًا، بل سياسة مقصودة لإبقائه مجانيًا وغير مرئي، خارج أي أفق للمطالبة بالحقوق.
نضال النساء ربات البيوت ليس قضية أخلاقية أو عائلية، بل قضية طبقية بامتياز. من حق النساء المطالبة بأجور، بضمان اجتماعي، بتقاعد، بحق السكن، وبالاعتراف القانوني بالعمل غير المأجور. هذا لا يعني إعادة المرأة إلى العمل المنزلي، بل تقدير قيمته وتثمينه.
على الدولة توفير الدعم الجماعي للنساء عبر دور رعاية للأطفال والمسنين، خدمات المطابخ والمغاسل، وتحويل العمل المنزلي من مسؤولية فردية إلى عمل جماعي، أو الاعتراف به ومكافأته. العمل المنزلي هو تجسيد للاستغلال في قلب المجتمع الرأسمالي، ويجب أن يكون في صميم المعركة لإنهاء استغلال الإنسان للإنسان واستغلال المجتمع الذكوري للمرأة فقط لأنها أنثى، ولتحقيق العدالة الاجتماعية.
المدونة الجعفرية، كما هي اليوم، لا تثمن عمل المرأة، ولا تقيمه، ولا تعترف به إلا إذا رافقته الطاعة والخدمة “الحميمية” للزوج. علينا كنساء، كفتيات، كأمهات، أن نرفع صوتنا عاليًا ضد هذا الاستغلال، ونطالب بالاعتراف بحقوقنا الكاملة، لنكتب فصلًا جديدًا في تاريخ العدالة والمساواة.



